أحمد زكي صفوت
58
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
وادّعوه عليه ، وهذا كله بحضرة جلّة « 1 » المهاجرين والسّلف المقدّمين ، والأنصار والتابعين . ولكن الناس كانوا على طبقات مختلفة ، ومرانب متباينة ، من قاتل ، ومن شادّ على عضده ، ومن خاذل عن نصرته ، والعاجز ناصر بإرادته ، ومطيع بحسن نيّته ، وإنما الشك منّا فيه وفي خاذله ، ومن أراد عزلة والاستبدال به ، فأمّا قاتله والمعين على دمه والمريد لذلك منه ، فضلّال ، لا شكّ فيهم ، ومرّاق ، لا امتراء « 2 » في حكمهم ، على أن هذا لم يعد منهم الفجور : إما على سوء تأويل ، وإما على تعمّد للشّقاء . ثم ما زالت الفتن متصلة ، والحروب مترادفة ، كحرب الجمل ، وكوقائع صفّين ، وكيوم النّهروان ، وقبل ذلك يوم الزّابوقة « 3 » ، وفيه أسر ابن حنيف « 4 » ، وقتل حكيم بن جبلة ، إلى أن قتل أشقاها « 5 » علىّ بن طالب ، رضوان اللّه عليه ، فأسعده اللّه بالشهادة ، وأوجب لقاتله النار واللّعنة ، إلى أن كان من اعتزال الحسن عليه السلام الحروب ، وتخليته الأمور ، عند انتثار أصحابه ، وما رأى من الخلل في عسكره ، وما عرف من اختلافهم على أبيه ، وكثرة تلوّنهم عليه ، فعندها استوى معاوية على الملك ، واستبد على بقية الشّورى ، وعلى جماعة المسلمين من الأنصار والمهاجرين ، في العام الذي سمّوه عام « 6 » الجماعة ، وما كان عام جماعة ، بل كان عام فرقة وقهر وجبريّة وغلبة ، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكا كسرويّا ، والخلافة غصبا قيصريا ، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفسق ، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا وعلى منازل ما رتّبنا ، حتى رد قضّية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
--> ( 1 ) أي من عظمائهم وسادتهم وذوى الأخطار فيهم . ( 2 ) أي لا شك . ( 3 ) الزابوقة : موضع قريب من البصرة ، كانت فيه وقعة الجمل أول النهار . ( 4 ) أي عثمان بن حنيف ، وقد تقدم خبر ذلك في الجزء الأول ص 322 . ( 5 ) هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه اللّه . ( 6 ) هو عام 41 ه إذ اجتمع الناس على معاوية وبايعه أهل الأمصار كلها .